مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

32

تفسير مقتنيات الدرر

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 49 إلى 50 ] وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ( 49 ) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 ) * ( [ وأَنِ احْكُمْ ] ) * عطف على قوله : « وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ * ( أَنِ احْكُمْ ) * » وأعيد ذكر الحكم والأمر بعد ذكره في الآية الأولى إمّا للتأكيد وإمّا لأنّهما حكمان أمر بهما لأنّ اليهود احتكموا إليه في زنى المحصن أوّلا ثمّ احتكموا في قتيل كان فيهم * ( [ واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكَ ] ) * أي ما يهوون من الأحكام ويطمعوك منهم من الإجابة إلى الإسلام . وقيل : المعنى : احذرهم أن يضلَّوك بالكذب على التوراة بأن يقولوا : هذا الحكم كذا في التوراة ، وليس ذلك الحكم فيها بل يريدون أن تحكم لهم حسب ما يهوون والفتنة هنا صرف من الحقّ إلى الباطل وفي الآية دلالة على وجوب مجانبة أهل البدع والضلال وذوي الأهواء . * ( [ فَإِنْ تَوَلَّوْا ] ) * وأعرضوا عن حكمك * ( [ فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ] ) * ويعاقبهم ببعض أجرامهم . وذكر البعض والمراد الكلّ كما يذكر العموم ويراد به الخصوص ، عن الجبّائيّ . أو أنّه ذكر البعض تغليظ للعقاب والمراد أنّه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم . وقيل : إنّه أراد تعجيل بعض العقاب بما كان من التمرّد فإنّ عذاب الدنيا يختصّ ببعض الذنوب دون بعض وعذاب الآخرة يعمّ . ولعلّ المراد في الآية بنو قريظة لمّا نقضوا العهد يوم الأحزاب عوقبوا بالقتل * ( [ وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ] ) * تسلية للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله عن امتناع القوم من الإقرار بنبوّته ولا زال كان أهل الإيمان قليلا وأهل الفسق كثيرا * ( [ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ] ) * وقرء بالخطاب تبغون . وقرء حكم بالرفع على الابتداء وتبغون خبره والعائد محذوف من الخبر للدلالة والمعنى : أحكم الجاهليّة تبغون ، والمراد أنّ هذا الحكم الَّذي تبغونه إنّما يحكم به حكّام الجاهليّة فأراد هؤلاء اليهود المتحاكمين إلى الرسول في أمر الرجم والدية أن يحكم رسول اللَّه بموجب هو أهم كما كان أهل الجاهليّة يحكمون عن هوى أنفسهم .